أحمد بن محمد المقري التلمساني

189

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

فقال لي بعض الطلبة : وهل يكون هذا في الجملة كما كان في قولك « ضربي زيدا قائما » ؟ فقلت له : نعم ، قال رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم « أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد » . ذكر أبو زيد ابن الإمام يوما في مجلسه أنه سئل بالمشرق عن هاتين الشرطيتين وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ الأنفال : 23 ] فإنهما يستلزمان بحكم الإنتاج لو علم اللّه فيهم خيرا لتولّوا ، وهو محال ، ثم أراد أن يرى ما عند الحاضرين ، فقال ابن حكم : قال الخونجي : والإهمال بإطلاق لفظ لو وإن في المتصلة ، فهاتان القضيّتان على هذا مهملتان ، والمهملة في قوة الجزئية ، ولا قياس عن جزئيتين . فلمّا اجتمعت ببجاية بأبي علي حسين بن حسين وأخبرته بهذا ، وبما أجاب به الزمخشري وغيره ، ممّا يرجع إلى انتفاء تكرر الوسط ، قال لي : الجوابان في المعنى سواء ؛ لأنّ القياس على الجزئيتين إنما امتنع لانتفاء أمر تكرر الوسط ، فأخبرت بذلك شيخنا الأبلي ، فقال : إنما يقوم القياس على الوسط ، ثم يشترط فيه بعد ذلك أن لا يكون من جزئيتين ، ولا سالبتين ، إلى سائر ما يشترط ، فقلت : ما المانع من كون هذه الشروط تفصيلا لمجمل ما ينبني عليه من الوسط وغيره ، وإلّا فلا مانع غير ما قاله ابن حسين ، قال الأبلي : وقد أجبت بجواب السلوي ، ثم رجعت إلى ما قاله الناس لوجوب كون مهملات القرآن كلية ؛ لأنّ الشرطية لا تنتج جزئية ، فقلت : هذا فيما يساق منها للحجة ، مثل لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] أما في مثل هذا فلا . ولما ورد تلمسان الشيخ الأديب أبو الحسن بن فرحون نزيل طيبة على تربتها السلام سأل ابن حكم عن معنى هذين البيتين : [ الوافر ] رأت قمر السماء فأذكرتني * ليالي وصلها بالرقمتين « 1 » كلانا ناظر قمرا ولكن * رأيت بعينها ورأت بعيني ففكّر ثم قال : لعلّ هذا الرجل كان ينظر إليها ، وهي تنظر إلى قمر السماء ، فهي تنظر إلى القمر حقيقة ، وهو لإفراط الاستحسان يرى أنها الحقيقة ، فقد رأى بعينها لأنها ناظرة الحقيقة ، وأيضا فهو ينظر إلى قمر مجازا ، وهو لإفراط الاستحسان لها يرى أنّ قمر السماء هو المجاز ، فقد رأت بعينه ؛ لأنها ناظرة المجاز . قلت : ومن ههنا تعلم وجه الفاء في قوله « فأذكرتني » لأنه لمّا صارت رؤيتها رؤيته ،

--> ( 1 ) الرقمتين : اسم موضع .